صياح الجزائر وبيضة المغرب

يونس مسكين2 أبريل 2025
يونس مسكين

عندما أعلنت فرنسا بشكل غير مسبوق عن دعمها لمغربية الصحراء، وزار رئيسها المغرب وأعلن موقف بلاده الجديد من منصة البرلمان، وبعدما أقدمت باريس على خطوة أكثر رمزية بتنظيم مناورات عسكرية مشتركة مع المغرب في قلب المناطق الحدودية مع الجزائر، لم تجد هذه الأخيرة أمامها سوى سلاح التصعيد الكلامي.

استدعى الجيران سفيرهم من باريس، وهاجموها عبر منصاتهم الإعلامية والسياسية، وأوحَوا بأنهم على وشك اتخاذ قرارات تاريخية قد تعيد رسم خريطة علاقاتها مع المستعمر السابق… لكن، ماذا تبقى من كل ذلك الصراخ؟

البلاغان الصادران مساء أمس الإثنين، 31 مارس 2025، عن كل من رئاسة الجمهورية الفرنسية ورئاسة الجمهورية الجزائرية، يحملان الجواب الواضح.

ففي نصين متوازيين من حيث التوقيت، ومتكاملين في المضمون، نجد إعلانا واضحا عن العودة الكاملة للعلاقات بين البلدين إلى طبيعتها، بل وأكثر من خلال: استئناف فوري للتعاون الأمني، والتنسيق في موضوع الهجرة، والتبادل القضائي، وتحديد أجندة للقاءات سياسية رفيعة المستوى، مع زيارة مرتقبة لوزير الخارجية الفرنسي إلى الجزائر.

وبالعودة إلى التصريحات والبيانات التي أعقبت إعلان فرنسا دعمها لمغربية الصحراء ومشاركتها في مناورات عسكرية مع المغرب، برّرت الجزائر قراراتها بتجميد العلاقات مع باريس بعدة أسباب، جاء أغلبها تحت عناوين سيادية وسياسية، لكنها لم تُخف في جوهرها حالة استياء حاد من التقارب الفرنسي المغربي، الذي رأت فيه تهديدا لموقفها من النزاع في الصحراء.

المفارقة الكبرى تكمن في أن أيا من الأسباب التي برّرت التصعيد، لم يُذكر في البلاغين الأخيرين، لا من قبل الجزائر ولا فرنسا، ما يُظهر أن دوافع التصعيد لم تكن مؤسسة على استراتيجية دبلوماسية مدروسة، بقدر ما كانت استجابة انفعالية لضغوط داخلية واعتبارات ظرفية.

اللافت في بلاغ قصر الإليزيه، أن اللهجة جاءت هادئة، شديدة الدقة، ومُحكمة البناء، بل ومُفعمة بالإشارات إلى التعاون البناء. ولم تُشر فرنسا لا من قريب ولا من بعيد إلى أي تنازل أو تعديل في مواقفها الأخيرة التي أثارت حفيظة الجزائر، وتحديدا ما يتعلق بدعمها للمغرب في قضية الصحراء. كما لم تُسجل أية إشارة للتراجع عن المناورات العسكرية مع المغرب، أو لإعادة النظر في التصور الفرنسي لعلاقة باريس بالرباط.

أما البلاغ الجزائري، فقد حاول من جهته التماهي مع الخطاب الفرنسي، عبر التأكيد على “روح الصداقة” و”الشرعية الدولية” و”الالتزام بمبادئ الأمم المتحدة”، وهي عبارات تُستحضر عادة لتوفير مظلة لغوية تسند تراجعا ضمنيا دون الاعتراف به صراحة.

ولم يأت البلاغ على ذكر الأسباب التي دفعت الجزائر سابقا إلى التصعيد، ولا عن المطالب التي رفعتها لإجبار باريس على التراجع. بل بدا كأنه يطوي الصفحة دون مراجعة، مستعيضا عنها بلغة تقنية تركز على استئناف الملفات العالقة.

وفي مقارنة دقيقة بين مضمون البلاغين، نلاحظ:

• تطابقا شبه حرفي في المحاور الكبرى: الأمن، الهجرة، القضاء، الذاكرة.

• تغييبا مقصودا ومتوافقا عليه لأي إشارة لقضية الصحراء، بما يؤكد أن فرنسا لم تغيّر موقفها.

• لهجة فرنسية مبنية على الفعل والنتائج، ولهجة جزائرية مغلّفة بالشعارات دون توضيح مآل المواقف السابقة.

كل هذا يقود إلى خلاصة واضحة: الجزائر عادت إلى نقطة البداية، دون أن تحقّق أي مكسب سياسي أو دبلوماسي، سوى إثبات أنها لا تملك بدائل حقيقية لعلاقاتها المعقدة مع فرنسا. أما الصراخ الإعلامي الذي رافق الأزمة، فقد تبيّن أنه لا يتجاوز كونه “صياحا لا يكسّر حتى بيضة” كما يقول المشارقة، لا بيضة المغرب الذي واصل تعزيز علاقاته مع باريس، ولا بيضة فرنسا التي حافظت على ثوابتها، بل كسر جبهة النظام الجزائري نفسه الذي وجد نفسه مضطرا للعودة إلى الطاولة.

وهنا نُعيد تأكيد المبدأ الذي نراه صائبا: لا جدوى من الحروب الكلامية وتبادل الشتائم، لأنها تضر بالشعوب وتزيد في اتساع هوة الكراهية، بينما تظل الأنظمة تتحرك وفق مصالحها، وتعيد التموقع متى اقتضت الضرورة.

ما يبقى فعليا على الأرض هو العلاقات بين الشعوب، وهي وحدها القادرة على بناء اتحاد مغاربي متماسك، ومتضامن، ومستقبل مشترك بعيد عن وهم المواجهات البيزنطية.

لقد أُغلقت صفحة التصعيد الجزائري الفرنسي دون أثر يُذكر، تماما كما تنطفئ نار لم تجد ما يغديها من حطب. وها هي الجزائر الرسمية تعود أدراجها إلى ما قبل العاصفة، بينما يمضي المغرب في ترسيخ موقعه كشريك استراتيجي موثوق على الساحة الدولية، دون أن ينساق إلى دوّامة الانفعال أو الرد بالمثل، مكتفيا بخيار التجاهل الذي أثبت أنه الأكثر كفاءة في التعامل مع الأزمات المصطنعة.

هذا الخيار، الذي اعتمده المغرب في السياسة الخارجية، يجب أن يتحوّل إلى نهج استراتيجي شامل، يهمّ أيضا السياسة الداخلية، بما يعزز من مناعة الدولة ويكرّس استقلال قرارها الوطني.

وبدل الارتهان للعبة الاصطفاف مع أو ضد الجزائر، أو السقوط في فخ استنساخ النموذج الجزائري الذي يوظف خطاب العداء للجار لتشكيل جبهة داخلية قائمة على الاستنفار والمظلومية، فإن الرهان الحقيقي يجب أن ينصبّ على بناء ديمقراطية فعلية، قوامها سيادة القانون، ومؤسسات قوية تخضع للمحاسبة، ومجتمع سياسي حي يضمن التداول والتمثيل.

الرهان على الجبهة الداخلية لا ينبغي أن يكون عبر دغدغة المشاعر أو تصدير التوتر، بل عبر تمكين المواطن من الإحساس الحقيقي بانتمائه، ليس فقط إلى وطن يرفع شعارات السيادة، بل إلى دولة تحتضنه وتُنصت إليه وتخاطبه باعتباره شريكا في البناء، لا مجرد متفرّج على ما يُدار باسمه.

مرة أخرى: كثرة الصياح لا تكسر بيضة.. وما بين هذا الصياح العقيم وذاك التجاهل الذكي، يواصل الديك الفرنسي جني الفوائد من صراع لا يخسر فيه شيئا، بل يربح من بيع السلاح، ومناورة المواقف، وتكريس التبعية.


يونس مسكين | كاتب صحفي مغربي
اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل