قرآن الثورة والجهاد

محمد إلهامي4 أبريل 2025
محمد إلهامي

ما من شهر يتعرض فيه المسلم للقرآن الكريم مثل شهر رمضان، تلاوةً وسماعاً ووعظاً ومُدارسةً، وما من مسلم إلا وعلاقته بالقرآن في أحسن أحوالها مع القرآن عند نهاية هذا الشهر.

وهنا يأتي السؤال الكبير في الأمة المهزومة المغلوبة؛ ما بال هذا القرآن الذي أيقظ الأمة وبعثها من رقاد وسبات أول نزوله، لا يفعل الآن فيها مثل ما فعل في أول الأمر؟!!

والأصح أن يُقال: إن القرآن هو القرآن، فما بال الأمة التي انبعثت به حتى غلبت وسادت وهيمنت تبقى الآن في هذا الحال الرهيب من الضعف والمذلة والمسكنة؟!

هذه السطور تحكي لك طرفاً من أسباب الفارق الكبير.. وفيه ينطوي الحل الكبير أيضاً!

(1)

ما كان العربي يسمع آيات من القرآن الكريم حتى يعرف من فوره أنه كتاب سياسة وقتال وحُكْمٍ ونظام، وأنه جاء لتغيير هذا العالم، وأنه سيصطدم مع الأوضاع القائمة فيه!

ذهب عتبة بن ربيعة إلى النبي ﷺ يساومه على هذا الدين، فيعرض عليه الرئاسة والمال والنساء، فما هو إلا أن سمع آيات من القرآن حتى عاد يقول لقومه: يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه؛ والله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تُصِبْه العرب فقد كُفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فمُلْكُه مُلْككم وعزّه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.

فهذا رجلٌ سمع بعض آيات من القرآن فعرف أن نهاية الأمر مُلْك ونظام وحُكم ودولة، ونصح قومه أن يتركوا هذه المعركة، فلئن انتهى صدام محمد مع العرب إلى انتصارهم عليه فقد كسبوا أن لم يتورطوا في المعركة ولم يقطعوا أرحامهم، ولئن انتهى إلى انتصار محمد فإنه في النهاية رجل من قريش، وانتصاره في ميزان قريش وتدعيمها لمكانتها وسلطانها!

وبعدها بنحو سبع سنين جلس النبي ﷺ يعرض نفسه على القبائل، فكان منهم بنو شيبان، وما إن سمعوا منه بعض آيات من القرآن الكريم حتى قال المثنى بن حارثة الشيباني في جملة كلامه: وإن ما جئت به يا أخا العرب مما تكرهه الملوك!

فانظر أيها القارئ وتأمل وتفكر، ثم أطل النظر والتأمل والتفكير، كم مسلماً الآن يقرأ القرآن ويفهم منه أن هذا القرآن تكرهه الملوك؟! فإن القرآن لم يتغير، والملوك لم يتغيروا!

وانتبه إلى أن القائل هنا إنما كان يقصد ملوك الفرس، وهم ليسوا من العرب عبدة الأوثان والأصنام، بل كانوا على دين المجوس عُبَّاد النار.. فاستوى في كراهة ما جاء به القرآن: عباد الأوثان وعباد النار!

هذا الذي فهمه العربي من بضع آيات سمعها لأول مرة من القرآن الكريم هو الأمر الذي لا يشعر به الآن إلا أقل أقل القليل من المسلمين. ولو أننا أجرينا استفتاءً بين المسلمين بعد انقضاء شهر رمضان: ماذا استفدت من القرآن في رمضان؟ فاسرح بخيالك وتوقَّع كم واحدًا من هؤلاء سيقول: إن هذا القرآن هو انتفاضة وحربٌ على الأوضاع الباطلة، وهو حركة ثورة وجهاد في عالم السياسة؟!

تلك الفجوة الهائلة في فهم القرآن بين العربي الجاهلي وبين المسلم المعاصر هي أصل أصول الفجوة الهائلة بين حال الأمة يومذاك وحالها الآن.. إذ كيف يمكن أن ينهض بالقرآن من لا يفهمه، ولا يعرف أشهر أصوله ومعالمه وأركانه؟!

(2)

لقد حاول المشركون أن يتخلصوا من هذا الحق القرآني الصادع الواضح الذي يصادم أحوال الجاهلية ويناقضها، ولقد ساوموا النبي ﷺ على أن يفعل ذلك: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: 15].

ولكن الله تكفل بحفظ كتابه الكريم؛ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. وبهذا امتنع على الملوك -ومن والاهم من علماء السوء- أن يغيِّروه أو يبدلِّوه أو يُحرِّفوه، كما قد وقع في الأمم الماضية، إذ كان الأحبار والرهبان ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: 79]، وكانوا ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 78].

فلم يبقَ للملوك وعلماء السوء، بعد أن عجزوا عن تبديل الكلام وتحريفه، إلا أن يغيروا معانيه ويعبثوا في تأويله.

وذلك هو الذي نعانيه الآن، ترى الواحد من أولئك الملوك ومن علماء بلاطهم يقبّل المصحف الشريف ويكتبه بالذهب والفضة وينقشه على الجدران والقصور، ويبثه في الإذاعات والقنوات، ثم هو يُسَلِّط جهده كله لتزييف معانيه وصرف الناس عنها، ويصب جام سطوته وسلطته على القائمين به الذين يجاهدون لتعليمه وبيان هداياته وإرشاداته!

فالآن، ها هي أمة تقرأ القرآن ولا تعرف كيف يمكن أن تحيله عملاً حياً في واقع الحياة، أكثرها لا يعرف أن القرآن ثورة وحرب وانتفاضة على الباطل، وأقلها يعرف ويعجز أو يعرف ويكسل أو يعرف وتغلبه شهوات الدنيا على نفسه!

فهما إذن معضلتان عظيمتان: معضلة الفهم والوعي لهذا القرآن، ومعضلة تحويله إلى عمل وحركة، وبهاتين المعضلتيْن ترى كيف أن القرآن الذي بعث الأمة ونقلها من رعي الغنم إلى سيادة الأمم، لم يعد يفعل فعله في الأمة التي تسلط عليها سائر الأعداء، من صهاينة وصليبيين ووثنيين ومَن لا دين لهم!

(3)

ما من سورة في القرآن الكريم إلا وهي تخاطب المسلم أن هذا الدين إنما أنزله الله ليكون نظاماً وحُكْماً وسلطاناً، وأنه دين جهاد لا يقبل ببقاء الباطل والظلم، ولا يرضى بأن يكون المسلمون في ذلة وضعف!

هذه سورة البقرة قد حفلت بحديث الأمة التي نكثت عهدها مع الله، أمة بني إسرائيل، وكيف أن الله انتزع منها هذا الشرف ووضعه في أمة المسلمين، وأنزل عليهم التعاليم والتكاليف في الصيام والحج والزواج والطلاق والقصاص والقتال والأموال!

وهذه سورة آل عمران تتلو حديث جهاد المسلمين الأوائل في بدر وأحد وكونهم خير أمة أخرجت للناس، وكونهم أولى الناس بسائر الأنبياء، فهم ورثة إبراهيم وإسرائيل وموسى وعيسى، وأن المؤمنين من أهل الكتاب هم الآن مسلمون!

وهذه سورة النساء قد حفلت بتعاليم تختص بالضعفاء من النساء والأيتام والمستضعفين، وما لهم من الحقوق في الأموال وفي الرعاية، بل وبأحكام القتال في سبيل تحرير المستضعفين، وفي إدانة من رضي بالضعف وأن يبقى في دار هوان!

وهذه سورة المائدة قد حفلت بتعاليم العقود والأطعمة والصيد، والعلاقة مع أمة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وكيف يضرب الله مَثَلَهم على الانحراف عن الدين، وما صنعوه من التبديل والتحريف، وما أفضى بهم هذا إلى عصيان الله والاستكبار على أنبيائهم!

وهذه سورة الأنعام، تفتح بعد حديث طويل متين عن الله وخلقه وقدرته واستحقاقه العبادة والحكم، تفتح مسائل الأطعمة والزروع والثمار!

وهذه سورة الأعراف تتلو قصص الأعداء، بداية من الشيطان مع أبينا آدم، وتعرج منها على أحكام اللباس والثياب والزينة، ثم تمضي مع مواكب الأنبياء مع أقوامهم، وكيف كانت الأمم تتعامل مع أنبيائهم، ثم تتوقف السورة وقفة ضخمة طويلة مع أمة بني إسرائيل التي حملت الرسالة فلم تقُم بها ونكثت عهد الله معها، وكيف أنهم جحدوا نعمة الله حين أنقذهم من فرعون ومكنهم في الأرض ثم التمسوا معصيته وعدم القيام به.. وهو تحذير شديد لأمة المسلمين التي أنقذها الله من الفرقة والخلاف والضعف، فأرسل فيهم رسولاً وأنزل فيهم كتاباً!

ثم تأتي سورة الأنفال ليكون حديثها كله في القيام بأعباء الرسالة والقتال في سبيل هذا الدين، وفي بيان أحكام الغنائم، وجملة من أحكام القتال مع الأعداء ومع الأسرى، وواجب الأمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاتحاد في القتال!

وبعدها سورة التوبة التي نزلت بالأحكام النهائية للقتال والحج والعلاقات الإسلامية الدولية، كما أنها فضحت المنافقين الكامنين في المجتمع المسلم، وكيف تكون أساليبهم، من بث الشائعات والاستهزاء بآيات الله والسخرية من المؤمنين والتثبيط عن القتال، بل حتى بناء المساجد يمكن أن يكون للصد عن سبيل الله! وبيّنت السورة كيف يكون التعامل معهم، وكيف أن بعض الأعمال التي يرتكبها المؤمنون قد تفضي بهم إلى النفاق كالبخل والتكاسل عن الجهاد ونحوها!

وهكذا.. ونحن لم ننظر بعد إلا في ثلث القرآن الأول وحده.. وبقية السور على هذا النحو، أحكام في العلاقات الدولية والقتال، وأحكام في الطهارة والاستئذان داخل البيوت!!

(4)

لئن كان هذا شأن القرآن في توعية المسلمين بأن هذا الدين هو حكم ونظام وسلطان ودولة.. وهو ما يعالج المعضلة الأولى: معضلة الفهم! فإن هذا كله كان محفوفاً بأمر آخر يعالج المعضلة الثانية..

لقد كانت هذه الأحكام والتعاليم محاطة ومغشية من قبلها وبعدها بآيات هائلة عظيمة تذكر المسلم بقدرة الله وقوته وحكمته، وبديع ما خلقه في النفس وفي السماوات وفي الأرض، وبأن هذه الحياة كلها اختبار وامتحان وأن المصير والأجر والنهاية ستكون في يوم القيامة!

أي أن أحكام القرآن ليست مجرد بنود قانونية تخاطب العقل والفكر.. لا، إنما هي ثمرة العبادة والخشية والمحبة لله.. وأنها مهمة عظيمة لا يقوم لها إلا أفذاذ الناس الذين آمنوا بالله وتعلقوا به وطلبوا بجهادهم الدار الآخرة!

إنه ما من قارئ يقرأ القرآن الكريم ويقف متأملاً بعض التأمل فيه، إلا ويخرج منه متشبعاً بشأن الدار الآخرة، فهي الأمر الحاضر القريب الدائم، كما يخرج منه زاهداً بشأن الدنيا التي ستفنى والتي لطالما مرَّ عليها مواكب السابقين فلم يبق منهم سوى الأخبار والأحاديث.

إن التوقف مع سيرة الموت الذي ستذوقه كل نفس، ومع سير المُكَذّبين، ومع سير الأنبياء، ومع آيات اختلاف الليل والنهار، وانقضاء الشهور والسنين.. كل هذا يبث في النفس خاطراً دائماً بأن الحياة ذاهبة والأيام ماضية وما انقضى لن يعود وما قد جاء لن يبقى!

فمن قرأ القرآن الكريم وامتلأ من هذا الشعور انبعث بعده عاملاً متحركاً ساعياً باذلاً قائماً في الحياة بما يحب الله، راجياً وجه الله والدار الآخرة، متسلحاً بهذا الإيمان وهذه الخشية في وجه ما يراه من الصعوبات والتحديات والمشكلات!

لهذا ما تكاد سورة من سور القرآن، إذا استمع إليها المرء وفهمها، إلا ويراها طاقة هادرة جبارة تنزعه من الخمول والضعف، وتهيئه للمهمة العظيمة التي هو مكلف بها في واقع الحياة!

(5)

فلو كانت الأمة تتلو القرآن حق تلاوته، وكان علماؤها وواعظوها -الذين هم ورثة الأنبياء فيها- يبينونه للناس ولا يكتمونه، لكان العيد الذي يأتي على المسلمين عيدًا آخر!

كان سيكون عيد أمة منتفضة وثابة، منبعثة وهاجة، مجاهدة مقاتلة، نازعة عنها ثوب الضعف والخور والذلة والمسكنة، قائمة في وجه أعدائها، ثائرة في وجه منافقيها!

لقد كان القرآن يُتلى على المسلمين الأوائل فكانت أعيادهم عزاً ونصراً ومجداً، وكم قاتل المجاهدون في رمضان نفسه، وما ذلك إلا أنهم كانوا عاملين بما يعلمون وما يقرؤون، فقد عرفوا أن حقيقة العبادة هي إقامة الدين وبناء دولته وحكمه وسلطانه وكسر أعدائه!

كذلك نرى كم قاتل المسلمون في شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة.. ومن نظر في الغزوات والفتوحات رأى عجباً..

وإذن، فلقد كان المسلمون الأولون ينتفعون من القرآن ومن رمضان ما لا ننتفع نحن الآن بمثله أو بشيء منه.. فنحن الآن نصحو على أخبار غزة التي قد انفرد بها الأعداء يقطعونها تقطيعاً ويمزقونها تمزيقاً، بدعم ومساندة من المنافقين العملاء الحاكمين! ونصحو معها على أخبار لا تقل ألماً بل تزيد في بورما وتركستان والهند والسودان وغيرها من ديار المسلمين!

إن أمامنا كفاحاً شديداً طويلاً لنحلّ هاتين المعضلتيْن: معضلة فهم القرآن، ومعضلة تطبيقه وتنفيذه.. ما يليق بأمة المسلمين أن تكون أجهل بكتابها من رجل جاهلي سمع منه بعض آيات! وما يليق بأمة المسلمين أن تظن أن هذا القرآن مما يحبه الملوك! وما يليق بأمة المسلمين أن ترى القرآن يقبل التعايش مع الباطل والظلم! وما يليق بأمة المسلمين أن تقبل بأن يكون القرآن محصوراً في المساجد وأن يكون مجرد أصوات وهمهات وتنغيمات تُتلى ولا أثر لها في واقع الحياة!

ليس القرآن الكريم أغنية.. وليس الذي يتلوه مطرباً.. وليس المسجد مسرحاً.. وليست الأمة في حاجة إلى مزيد من الغناء!

هذا القرآن نظام وحكم وسلطان، وهو داعية ثورة وحرب وجهاد.. وهذه المساجد هي مصانع المجاهدين المقاتلين المناضلين الذين زهدوا في الدنيا وأقبلوا على الآخرة!

فإذا عاد هذا الحال كما كان، عادت أعيادنا أعياداً كما كانت!


محمد إلهامي | باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية، ماجستير الاقتصاد الإسلامي.
اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل