اعتذار واجب لزعيم كوريا الشمالية

وائل قنديل4 أبريل 2025
وائل قنديل

أقل من ثلاثة أشهر مرّت على ولاية دونالد ترامب الثانية، فترة قصيرة للغاية لكنها حافلة بأحداث وتغيّرات تحتاج أكثر من مائة عام كي تتم، إذ يقود الرئيس الأميركي حركة التاريخ بأقصى سرعة، متجهاً إلى الخلف ليرتدّ بأميركا والعالم إلى العصور الوسطى حالكة الظلام.

يقولون إن رجل البيت الأبيض العائد للانتقام من كلّ الذين وقفوا ضدّه في فترة رئاسته الأولى، وكانوا سبباً في سقوطه، اكتشف أن أربع سنوات، مدّة رئاسته الثانية (والأخيرة بحكم الدستور الأميركي)، لا تكفيه لتحقيق رغباته المجنونة كلّها في الانتقام وأحلامه المريضة في فكّ العالم وتركيبه، جغرافياً وسياسياً واقتصادياً، من جديد، وإضرام النار في التاريخ الإنساني المدوّن، فيبدو وكأنه لم يقع.

ما يروج في الأوساط الأميركية أن ترامب يفكّر في ترشيح نفسه لولاية ثالثة، بعد انقضاء فترته الثانية (الأخيرة)، وفي سبيل ذلك قد يحرق الدستور ويمزّق القوانين، ويهدم القيم الديمقراطية التي كانت واشنطن تتيه بها على العالم.

يشيع ترامب أنه لا يحبّ الأنظمة العسكرية ولا يطيق العسكريين، لكنّه في الواقع يسلك على نحو أكثر تعسكراً من الجنرالات. ويزعم إنه رجل سلام لا يحب الحروب، لكنّه يشعل الصراع في كلّ مكان، ويتصرّف كأعتى الغزاة الغابرين، فيخوض حرباً مدمّرةً على اليمن، ولا يخفي نيّته شنّ عدوان على إيران، ويواصل حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني في غزّة، وليس المقصود هنا أنها حرب عدوانية إسرائيلية بالسلاح الأميركي، وإنما هي حرب أميركية بالمعنى الكامل للكلمة، كما أنه يضرب بيد الصهاينة في لبنان وفي سورية، ويؤجّج الحرب الروسية الأوكرانية بينما يغنّي للسلام، وعينه على معادن أوكرانيا وثروتها الطبيعية، بنظرة قرصانٍ ينتمي لعصور الظلام بكلّ ما تحمله من قيم استباحة نهش الآخر، ومضغه ومصمصة عظامه، مغلفاً شبقه للهيمنة والقرصنة والتوسّع والثراء، بشعارات كهنوتية قديمة، يبدو معها، وكما وصفه صاحب هذه السطور في إطلالته الرئاسية الأولى 2017، وكأنه من بقايا الغزاة القادمين مع كريستوفر كولومبووس في القرن الخامس عشر الميلادي إلى الأرض التي سمّيت فيما بعد “أميركا”، من أجل الذهب والمال والمسيح.

يرى ترامب كلّ من هو خارج الامبراطورية الأميركية “آخر”، بينما كان جدّه، الغازي المهاجر إلى تلك الأرض، كولومبوس، يعتبر”الآخر” هو الهندي الأحمر الساكن في القارّة، التي سمّيت أميركا فيما بعد، فقرّر القضاء عليه، وممارسة تطهير عرقي لتثبيت واقع ديموغرافي جديد. في العام ذاته الذي بدأ فيه مسلسل طرد “الآخر” من أوروبا، عام سقوط غرناطة وبدء تخلي إسبانيا عن أندلسيّتها والتنكّر لرافدها العربي والإسلامي، و ترحيل كلّ من شكّل “آخر” في عرفها، مسلماً كان أو غير ذلك من الأقليات الدينية والعرقية.

هذا بالضبط ما يفعله ترامب، مع فارق بسيط أن تعريف “الآخر” الذي يستحقّ الطرد والإبعاد والإبادة هو كلّ مَن يعارض هيمنة  الصهيونية الدينية على أميركا والعالم، فتتوالى أنباء ترحيل كلّ من يتعاطف مع حقوق الشعب الفلسطيني إلى خارج الولايات المتحدة الأميركية، التي يرفّرف عليها العلم الصهيوني، بأمر الرئيس، تاجر الدين وتاجر النفط وتاجر الموت، الذي لا يعترف بخرائط العالم المعروفة قبل أن يتولى الرئاسة.

هذه النسخة الوقحة من ترامب تجتذب كلّ المعجبين به من الطغاة الأصغر والأرخص في العالم كلّه، كما أنه هو شخصياً لا يُخفي إعجابه وتمسّكه بهؤلاء الذين صاروا بالنسبة إليه أساتذة وروادّاً حين يتعلّق الأمر بالاندفاع بالسرعة القصوى إلى أزمنة الاستبداد المسلّح، ما يجعل زعيم كوريا الشمالية، الذي جرى تصويره في أدبيات السياسة المعاصرة باعتباره ذلك الدكتاتور الذي يلهو بسلسلة مفاتيح الترسانة النووية، واحدة من الأكاذيب الكبرى التي صنعتها آلة الدعاية الأميركية السوداء، فالشاهد أن هذا الرجل لم يُصب الكوكب بالأذى ولم يصدر شروره وأطماعه وأحقاده “القرونوسطية” على العالم، ذلك أن من يتابع خطاب ترامب وقراراته خلال أسبوع فقط يجد نفسه مديناً بالاعتذار للزعيم كيم جونغ أون، الذي صنع دولةً قوية، لكنّها لا تنشر شرها في أركان الدنيا.


وائل قنديل | صحافي وكاتب مصري
اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل