صناعة التجميل.. والاستغلال الأنيق للأنثى

تسنيم راجح28 ديسمبر 2023
تسنيم راجح

كاينابريس – تسنيم راجح(*)

في متجر مستحضرات التجميل أو طابقها من المحلات الكبيرة، تنتشر ماركات المكياج على مد البصر على الرفوف المضاءة البراقة، محاطةً بالصور العملاقة للمشهورات أو أجزاء من وجوههن المنقّاة من أي شائبة طبيعية لضمان اقتناع المشتري بفعالية المنتج المعروض.

هذا المكان الذي يبيع وعود الشركات وأحلام الزبائن يقنعك أن كلّ آمال الجمال ومشابهة الفنّانات ممكنة وبميزانية أقل بكثير من تلك التي تتطلبها عمليات التجميل، فعبر آلاف آلاف الأنواع من المواد المصنّعة التي لا غاية منها إلا تزيين وجه الأنثى وتغييره ليوافق أحدث صيحات الموضة وابتكاراتها الرائجة تبيع هذه الأماكن ثقافتها الخاصة الممعنة في تقديس الجسد وتهويل أي عيبٍ طفيف في البشرة المغطية له لينتهي الأمر بالزبون وهو يدفع مبلغاً كبيراً مقابل بضع عبوات من الكيماويات الخدّاعة فحسب.

فكيف اقتنعت النساء بأنهن لا يوافقن المقبول إلا إن راكمن عشرات الكيماويات على وجوههن كلّ صباح؟ وأيّ ثقافة هي التي تنشرها محلات مستحضرات التجميل وصناعاتها؟ وهل أنصفت النساء وأوصلتهنّ إلى التحرر التي تدعيه المنظومة الغربية؟ أم أنها حوّلتهنّ إلى مستهلكاتٍ ضعيفاتٍ معرّضات ٍعلى الدوام للاستغلال والانتقاص والتلاعب؟

من كحلٍ وحِنّاء.. إلى آلاف الكيماويات

يعزو الباحثون بدايات المستحضرات التجميلية المبكرة إلى أيام الفراعنة، حيث كانوا يستخدمون الكحل بكميات كبيرة ليرسموا عيونهم وكذلك الحِنّاء لتزيين أيديهم وطلاء أظافرهم وبعض الأصبغة لتلوين حواجبهم. لقد كان الكحل شائعاً في الثقافات القديمة، حيث كان يحضر من بودرة الرصاص والنحاس المؤكسد واللوز المحروق والرماد[i]، وتظهر الكشوف التاريخية انتشار استخدام المواد التجميلية البسيطة والمحضرة منزلياً في غالب الأحيان في معظم الحضارات القديمة، كالصين والهند وفارس وقبائل الجزيرة العربية التي كانت تنسب فوائد طبّية للكحل على العينين[ii].

أما تجارة مستحضرات التجميل وانتشارها وتسويقها كصناعة كبيرة ذات وارد اقتصادي هائل، فإنها لم تبدأ حتى القرن التاسع عشر تزامناً مع بدء الإنتاج الإعلاني وعرضه قبل الأفلام السينمائية وربطه بمشاهير الأفلام المحبوبين[iii]، وقد كان لظهور هوليوود كهيئة إنتاج سينمائي الأثر الأكبر في انتشار مساحيق التجميل ورغبة النساء بها نظراً لتعاقد الشركات مع الممثلات والمغنّيات وعملهم معهنّ على صناعة الموضة التي صارت تختار للنساء رسم العينين الرائج، أو لون أحمر الشفاه المطلوب.[iv]

ولعل أبرز مثال لتغيير الشركات للموضة واستخدامها لرسم الجمال وتغيير فكر الزبائن وقناعاتهم يتجلى في ترويج المستحضرات الخاصة بتسمير البشرة، فبعد أن كانت هيئة التأثر بالشمس سمةً مميزة لعمال المزارع، اختارت شركة Coco Chanel أن تركب منتجاً خاصاً بالتسمير، فحوّلت بإعلاناتها الهائلة وتوظيفها للمشاهير فكرة الاحتراق بالشمس إلى جزء من اتباع الموضة لحيازة ما سموه “sun-kissed look”، بعد ما كان الشحوب الزائد ومستحضرات تفتيح البشرة هي الرائجة والمعنونة للجمال لعقود!

أما اليوم، فقد تعدّت إيرادات الصناعة التجميلية بلايين الدولارات في الولايات المتحدة وفي عام واحد فقط، حيث بلغت مبيعاتها 49.2 بليون دولار في عام 2020 في ارتفاعٍ بحوالي 20 بليوناً عن عام 2003.[v] ومن ناحية المستهلكين قد أظهرت دراسة على 3000 امرأة أمريكية أنهنّ ينفقن 300 ألف دولار وسطياً على المستحضرات التجميلية التي تطبق على الوجه على مرّ أعمارهن، ووجدت الدراسة أن المرأة في نيويورك تنفق 11 دولار وسطياً كل يوم على مستحضرات التجميل الخاصة بوجهها، في حين تستخدم الشريحة المدروسة وسطياً 16 مستحضراً تجميلاً كل يوم قبل الخروج من البيت، وتقضي الواحدة منهنّ حوالي 20 دقيقة لتطبيق تلك المواد على وجوههن.[vi]

الجو العام والانهزام

إن زيارة محلٍّ لمستحضرات التجميل ليست تجربة بسيطة مباشرة على حد قول الباحث الماليزي G.I. Bok، فالبيئة العامة التي تعبد الجمال تجعل من المرأة واعيةً جداً بشكلها الخارجي، وبكلّ تفصيل دقيق من مكونات وجهها الذي خلقه الله لها في أحسن تقويم، مما يضعها في حالة من القلق والانزعاج[vii]، وكما تقول الكاتبة نانسي إتكوف في كتابها “نجاة الأجمل: علم الجمال” فإن نساء اليوم بتن معذّباتٍ بأقل عيبٍ شكليّ يمتلكنه، فهنّ لا ينظرن لغيرهن بعينٍ مجردة موضوعية، إنما بمقارنة مستمرة بين صورة أجسادهن وبين تلك التي لدى الأخريات من ناحية المميزات الشكلية، فيحاكمن ذواتهنّ للآخرين، وتنتج لديهنّ عن ذلك غيرة مؤلمة وشغفٌ بالتقليد في ذات الوقت.[viii] وهذه التفاعلات تكون في حالةٍ حيةٍ محفّزة ومستمرةٍ في محل التجميل، لا بين الزبونة والصور المعلقة في كل مكان فحسب، إنما بينها وبين البائعة التي تحاول رسم صورة المنتج في ذاتها على الدوام[ix].

وفي النتيجة فإن الأنثى التي تدخل هذا المكان لا تقتنع بحاجتها لشراء المنتج المعروض فحسب، إنما تحسّ ببغضٍ لذاتها حين تقف أمام واحدة من مرايا المتجر العملاقة، وتشعر بنقصها ودونية شكلها في جو الجمال والمثالية المفرطة المحيط بها، والذي لن تقترب منه أو تلمس سرابه إلا بعد أخذها للمواد التي تمليها عليها “الخبيرة” التي تقف وراء طاولتها الأنيقة وتحدّثها بتفصيل كبير عن بعض المسامات المفتوحة التي تعيب وجهها أو مواصفاتٍ خاصةٍ ينبغي العناية بها في بشرتها، أو بثرةٍ صغيرةٍ لم تلحظها ولا يمكنها العيش بها يوماً آخر، مما يبدو مقنعاً ومنطقياً جداً للزبونة ههنا وهو يأتيها مرفقاً بابتسامة البائعة المهتمّة ورغبتها البريئة بالمساعدة.

وفي هذا من الاستغلال والخداع ما لا يخفى، فالبائعة لن تبيع إلا وقد أقنعت الزبونة بنقصها دون ذاك المنتج وحاجتها الملحة له، وهذ ما تسهم به ثقافة الشركة ذاتها وهي تموّل ظهور عارضات الأزياء المتزيّنات في المجلات والإعلانات، وكذلك كثيراً من سيدات الانستغرام اللواتي يتأثر بهن ملايين الفتيات في أيامنا هذه.

من زاوية العاملين

إن النظر لهذه الصناعات بعين عاملاتها يعطي بعداً أوسع لفهم إشكالاتها وآثارها، فقد أظهرت دراسة على هؤلاء الموظفين في ماليزيا وسيدني أن إحساسهم المستمر بالحاجة للكذب على الزبون وإقناعه بأنهم مستهلكون مثله قد جربوا المنتج وأعجبهم وصاروا في حاجته، يولد لديهم شعوراً بالغربة والعزلة وتأنيب الضمير والتناقض بسبب تعقيد عملهم وجانبه العاطفي الواضح.[x]

من ناحية أخرى فإن متطلبات عمل الموظفات التي تحتم عليهن وضع كمية مبالغ بها من مستحضرات التجميل كل يومٍ والمحافظة على مثالية بشرتهن ليكنّ الوجه الممثل للشركة التي يعملن فيها تضع إحداهن تحت كثيرٍ من الضغط النفسي، وإن كانت بطبيعتها تحب إبداء زينتها وتجميل ذاتها. تقول إحدى عاملات بيع المستحضرات (Wanita): صعبٌ جداً أن أنجح في عملي إن كانت بشرتي متعبة لسبب ما، فالزبائن يفترضون مباشرةً أنني أستخدم المنتج الذي أبيع وبالتالي ستكون أول فكرةٍ تخطر في بالهم هي “ماذا سيحدث بوجهي إن اشتريت منها؟ هل سأمتلك بشرةً سيئة كالتي لديها؟”[xi]

الوهم في صناعة التجميل

وبغضّ النظر عن تسليع الأنثى الواضح في هذه المهنة وفي بنية الصناعة بحد ذاتها، فإنّ الحاجة إلى الكذب والتألم من الانزعاج منه في الحياة اليومية للموظفات يستحق التوقف ملياً، فالشركة لا تأبه من الموظفة إلا بالرقم الذي سيأتي منها للدرج في آخر اليوم، ولتذهب صحتها وراحتها وحتى القيم التي تؤمن بها حيث تذهب!

ختاماً..
ولنا حين نتأمل في تلك الأرقام والحقائق أن نتفكر في مَن المستفيد من ذاك كله فعلاً، ونسأل: مَن المنتفع من الحال التي وصلت إليها المرأة الغربية اليوم من هَوَس إبراز الزينة والتزام معايير الجمال والعناية بشكل الجسد الذي سيتمتّع به المحيطون بها وينتفع بمستلزماته رؤوس الشركات التي أقنعتها عبر ملايين الإعلانات والصور أن خروجها من البيت دون الكثير من المستحضرات الكيماوية يعدّ خروجاً عن المألوف؟

وأي تحرّر ذاك الذي يدّعي الغرب أنه أوصل المرأة إليه وهي الآن مستعبدة لعشرات المساحيق التي لا تملك أن تخرج من دارها دونها؟ هذا عدا أحذية الكعب الالي واللباس الكاشف (المسمى باللباس الرسمي)، وغير ذلك مما يمتهن المرأة ويحط من كرامتها بشكلٍ بات معتاداً، كما في عمل مضيفات الطيران وكثير من النادلات والعارضات، وقد أظهرت دراسةٌ حديثة أن حوالي 61% من مدراء الاعمال يعتبرونها ميزة مطلوبة في الموظفة أن تلبس ما يبرز جاذبية جسدها في العمل![xii]

ولله الحمد أن جعل قيمتنا كبشرٍ منفصلة عن هيئتنا الخارجية أو معايير الناس الجمالية المتقلّبة والمرهقة للنفوس، وصلى الله على نبيه صلى الله عليه وسلّم القائل: (نَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ) [أخرجه مسلم] وله سبحانه المنة والفضل أن أمرنا بالحجاب والستر الذي يرضيه عنا.


(*) كاتبة، أخصائية بالتغذية العلاجية في سانت لويس وعضو في أكاديمية التغذية الأمريكية.

الهوامش والإحالات

[i] Chaudhri, S. K., & Jain, N. K. (2014). History of cosmetics. Asian Journal of Pharmaceutics (AJP): Free full text articles from Asian J Pharm, 3(3).

[ii] المصدر السابق

[iii] Briot, E. (2011). From industry to luxury: French perfume in the nineteenth century. Business History Review, 85(02), 273-294.

[iv] Chaudhri, S. K., & Jain, N. K. (2014). History of cosmetics. Asian Journal of Pharmaceutics (AJP): Free full text articles from Asian J Pharm, 3(3).

[v] Beauty industry: revenue in the U.S. 2020 | Statista

https://www.statista.com/statistics/243742/revenue-of-the-cosmetic-industry-in-the-us/#:~:text=The%20revenue%20of%20the%20U.S.%20cosmetic%20industry%20is,been%20controlled%20by%20a%20handful%20of%20multi-national%20corporations.

[vi] How Much the Average Woman Spends on Makeup In Her Life | Allure

https://www.allure.com/story/average-woman-spends-on-makeup

[vii] Bok, G. I. (2018). Relations over the Cosmetic Counter: A Space of Identification, Distance or Hostility? E-BANGI Journal, 15(4), 1–12

[viii] Etcoff, Nancy. “Size Matters, CH. 6 In: Survival of the Prettiest: The Science of Beauty.” (1999). P.67.

[ix] حوالي 89% من عاملي محلات المواد التجميلية هنّ من النساء

Employed persons by detailed industry, sex, race, and Hispanic or Latino ethnicity (bls.gov)

https://www.bls.gov/cps/cpsaat18.htm

[x] Im Bok, G. Beauty Retail Workers: and Alienated.

http://www.ipedr.com/vol42/006-ICKCS2012-K00018.pdf

[xi] المصدر السابق

To be Pretty or Not to Be: The Psychology of Beauty in the Workplace – psychologistmimi [xii]

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل